مجمع البحوث الاسلامية

221

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

التّعامل مع عبدة الأصنام اللّجوجين ، وكان مقتضى الحال أن يكون الكلام شديد اللّهجة حادّا ، وأن يعدّ ما يعبدون من دون اللّه أوهى من بيت العنكبوت ، أمّا في هذه الآيات - محلّ البحث - فيقع الكلام في شأن مجادلة أهل الكتاب الّذين ينبغي أن يكون الكلام معهم لطيفا إذ أنّهم - على الأقلّ - قد سمعوا قسما ممّا جاء به الأنبياء والكتب السّماويّة ، ولديهم استعداد أكثر للتّعامل المنطقيّ ، إذ ينبغي أن يكلّم كلّ شخص بمقدار علمه وميزانه الخلقيّ والعقليّ ! فيقول القرآن في هذا الصّدد أوّلا : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . وَلا تُجادِلُوا مشتقّ هذا اللّفظ من « الجدال » الّذي معناه في الأصل فتل الحبل وإحكامه ، كما تستعمل هذه الدّلالة و « الخصوصيّة » في البناء المحكم وما أشبهه ، وحين يتناقش اثنان في بحث معيّن فكلّ واحد منهما - في الحقيقة - يريد أن يلوي صاحبه عن عقيدته وفكرته . لذا فقد سمّي هذا النّقاش جدالا . كما يرد هذا التّعبير في النّزاع أيضا ، وعلى كلّ حال فإنّه المراد من قوله : وَلا تُجادِلُوا المناقشات المنطقيّة . والتّعبير ب « التي هي أحسن » تعبير جامع يشمل الأساليب والطّرق الصّحيحة والمناسبة للتّباحث أجمع ، سواء كان ذلك في الألفاظ أو المحتوى ، وسواء كان في طريقة الكلام أو الحركات والإشارات الّتي تصاحبه . فعلى هذا يكون مفهوم الجملة المتقدّمة : إنّ ألفاظكم ينبغي أن تكون بطريقة مؤدّبة والكلام ذا مودّة والمحتوى ذا استدلال ، وصوتكم هادئا غير خشن ، ولا متجاوز لحدود الأخلاق أو مقتض لهتك الحرمة وكذلك بالنّسبة لحركات الأيدي والعيون والحواجب الّتي تكمّل البيان ، ينبغي أن تكون هذه الحركات ضمن هذه الطّريقة المؤدّبة . وكم هو جميل هذا التّعبير القرآنيّ إذ أوجز عالما من المعاني الخفيّة في جملة قصيرة . كلّ هذه الأمور لأجل أنّ الهدف من وراء النّقاش والبحث ليس هو طلب التّفوّق وجعل الطّرف الآخر خجلا مندحرا ، بل الهدف منه أن يكون الكلام ذا تأثير حتّى ينفذ في القلب وفي أعماق الطّرف الآخر . وخير السّبل للوصول إلى هذا الهدف هو هذا الأسلوب القرآنيّ . وكثيرا ما يتّفق أنّه لو استطاع الإنسان أن يعكس قول الحقّ بصورة يراها الطّرف الآخر من فكره وطريقته ، فسرعان ما ينعطف إليه ومنسجم معه ، لأنّ الإنسان ذو علاقة بفكره كما هو ذو علاقة بأبنائه . وهكذا فإنّ القرآن الكريم يثير كثيرا من المسائل على صورة السّؤال والاستفهام ليستحصل على جوابه من داخل فكر المخاطب فيراه منه . ( 12 : 377 ) فضل اللّه : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالكلمة الحلوة الهادئة المعبّرة الواضحة ، والأسلوب الحكيم الّذي يرصد المشاعر والأحاسيس ليحترمها ، ويدرس الذّهنيّة لدى الطّرف الآخر للحوار ليتعامل معها من خلال نقاط الضّعف والقوّة ، والجوّ الملائم الّذي يدرس الظّروف المحيطة بالمسألة ، ليحشد فيه كلّ ما يمكن أن يثير التّفكير ، ويبعد الانفعال ، ويقرّب من الاقتناع الهادئ العميق ، لتكون المسألة